حبيب الله الهاشمي الخوئي
363
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
و ( جشب ) الطعام فهو جشب وجشب أي غليظ أو بلا ادم و ( المعصوبة ) المشدودة الاعراب وأنتم معشر العرب اه جملة حالية ، منيخون خبر بعد خبر ، وحيّات صمّ ان كان الصّم جمع صمّاه فالحيّات مضافة إليها وإن كان جمع أصمّ فهي صفة لها ، وجملة تشربون وتاليها حالية أيضا . المعنى اعلم أنّ هذا الفصل من الخطبة وارد في بيان حال العرب في أيّام الجاهليّة وما كانوا عليه يومئذ من الضّنك والضّيق ، ومن سوء الحال في أمر المعاش والمعاد وتذكرة بما منّ اللَّه سبحانه به عليهم من بعث الرّسول فيهم وتبديله سبحانه بوجوده الشّريف سوء حالهم بحسن الحال في الدنيا والآخرة حيث جعلوا ذا رفاهيّة وسعة ونعمة ، وفتحوا البلاد وغنموا الأموال وكسروا الجيوش وفاقوا الملوك وكان لهم الذكر الباقي والشّرف الثّابت واهتدوا إلى دين الاسلام الذي هو طريق دار السلام فاكتسبوا السّعادة الباقية وفازوا المقامات العالية . إذا عرفت ذلك فلنعد إلى شرح كلامه عليه السّلام فأقول : قوله : ( انّ اللَّه بعث محمّدا صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم نذيرا للعالمين ) خصّ النّذارة بالذّكر واختارها على البشارة إذا لمقصود في هذا المقام التّوبيخ للعرب وترقيق قلوبهم المشتملة على الغلظة والفظاظة ، ولا ريب أنّ الانذار أقوى في التّرقيق والرّدع ، وذلك لأنّ عامّة الخلق إلَّا قليلا منهم أنظارهم مقصورة على زخارف الدّنيا وشهواتها غافلون عن نعم الآخرة ولذّاتها ، فلا يرغبون عن النّعم الحاضرة بما يبشّرون بها من النّعم الغايبة ، ولا يقابلون اللَّذايذ الموجودة بلذايذ الموعودة ، لكون هذه عندهم نقدا وتلك نسيئة وكان السّبب الأقوى في الرّدع والالتفاف إلى اللَّه إنّما هو الانذار والتّخويف فاختار كونه نذيرا على كونه بشيرا ( و ) اردفه بكونه ( أمينا على التّنزيل ) غير خائن ولا مقصّر في تبليغ آياته ولا مبدّل لكلماته ( وأنتم معشر العرب على شرّ دين ) حيث عبدتم الأصنام والأوثان